المنتديات اتصل بنا
 القائمة الرئيسية
 أقسام دروس جامع الأئمة:
 أقسام المقالات:
 اقسام مكتبة الشبكة
 القائمة البريدية:
البريد الإلكتروني:
 البحث:
الصفحة الرئيسية » المقالات. » في الصميم » الحراك المتشابه بين هارون العباسي وحكومة الفساد الحاليّة / بقلم الاستاذ والمفكر الإسلامي علي الزيدي
 في الصميم

المقالات الحراك المتشابه بين هارون العباسي وحكومة الفساد الحاليّة / بقلم الاستاذ والمفكر الإسلامي علي الزيدي

القسم القسم: في الصميم الشخص الكاتب: الأستاذ علي الزيدي المصدر المصدر: شبكة جامع الأئمة عليهم السلام التاريخ التاريخ: ٣ / ٥ / ٢٠١٦ م المشاهدات المشاهدات: ٧٣١ التعليقات التعليقات: ٠
الاساذ علي الزيدي
الاساذ علي الزيدي
تمر علينا هذه الأيام ذكرى شهادة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، ونحن في ساحة الإعتصام نتواجد للمطالبة بإنهاء الفساد وقلع المفسدين،

الحراك المتشابه بين هارون العباسي وحكومة الفساد الحاليّة / بقلم الاستاذ والمفكر الإسلامي علي الزيدي

السلام عليك يا صاحب الهيبة والاسـرار
السلام عليك يامن تكالب عليه الاشـرار
السلام عليك يامن غابت عنه الانصار
السلام عليك يامن رضـيت بما جرى به القضاء لحفظ الآثار السلام عليك من إمام قد أكمل الادوار
السلام عليك مسجوناً مثقلاً بالحديد والاحجار
السلام عليك من معذب قد تحمل ما تحمل في محاجر الفجّار السلام عليك من دليل قد أشـرقت بين يديه الأنوار
السلام عليك نحيلاً مُقيّداً وانت تُحيي شـريعة المختار
السلام عليك يامن أختار السجن من أجل نجاة شيعته الأخيار
السلام عليك وأنت يُطاف بك، مضـروبة دونك الأسوار

تمر علينا هذه الأيام ذكرى شهادة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، ونحن في ساحة الإعتصام نتواجد للمطالبة بإنهاء الفساد وقلع المفسدين، وما أن قربت هذه الذكرى الأليمة، حتى أثارت فينا الحزن والشجون على ما تعرّض له إمامنا الكاظم عليه السلام من مرارة السجون وعذاب وقسوة السجّانين ، وبُعد الأهل والموالين عنه ، وتهديدات السلطة المتتابعة عليه

كل ذلك يجري بسبب رفضه عليه السلام للظالم، وبيانه للحق في المواقف التي لها عمق في أثرها، سواء كان الموقف يحدث والملأ محتشد، أو عندما يختص بأفراد السلطة وجلاوزتها. فعلى سبيل المثال : عندما إحتج الإمام عليه السلام بأنّه أولى بالنبي الأعظم من جميع المسلمين، وقد جرى هذا الإحتجاج في مرقد النبي صلى الله عليه وآله، حينما زاره هارون محفوفاً بحاشيته وقادة جيشه، وأقبل بوجهه على الضريح المقدس وسلّم على النبي قائلاً: ( السلام عليك يابن العم )، وقد إعتز وأفتخر بذلك على من سواه، مبيناً بأنه أحق بالخلافة لقربه من رسول الله ، وكان الإمام حاضراً ، وعرف مقصد هارون، فسلم على النبي صلى الله عليه وآله قائلاً

( السلام عليك ياأبت )، ففقد هارون صوابه وهاجت فيه موجات الغضب والحقد، لأن المجد والفخر كان للإمام لقربه من رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعد كلام طويل دار بينهما، أمر بإعتقال الإمام وزجه بالسجن.

وكذلك عندما أرسل الإمام عليه السلام وهو في السجن رسالة الى هارون العباسي أعرب فيها عن سخطه البالغ عليه حيث قال فيها : ( إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء، حتى نفنى جميعاً الى يوم ليس له إنقضاء ، وهناك يخسر المبطلون ) .

فهكذا أنت سيدي رافضاً الظالمين والفاسدين، وذاك رفضك وإحتجاجك بوجه الغاصبين هو الذي يمد فينا الإصرار على التظاهر والإعتصام ليصبح صوراً مشرقة تعاضدت وتضافرت مع ذكرى شهادتك ليزداد إشراقها وبريقها، ولتثمر لنا عطاءاً من الصمود والتحدّي، يلوي أعناق الفاسدين، ويخرس أفواه المنافقين والخائفين.

عموماً نحن نريد الآن أن ننظر الى بعض الصور والمواقف التي تشابه بها هارون العباسي مع حكومة الفساد الآن ، لنأخذ منها العبر ، والنظر الى خبث النفس في تعاملها مع كرسي السلطة وإنتهاك حرمات الله بدون أي رادع ديني أو وخزة لضمير يأمل أن يرسم لهم خط عودة الى الحق وإستحقاق غفران الذنوب، فلنرى الآن بعض من تلك الوجوه.

أولاً : كان هارون العباسي مسرفاً في سياسته المالية بالرغم من أن الإسلام قد حرّم على الدولة أن تنفق أي شيء من الخزينة في غير صالح المسلمين، ولم يجز لخليفة أو رئيس دولة أن يصطفي لنفسه وذويه شيئاً منها.

ولقد كانت ميزانية الدولة في عهده قد توفر من المال فيها، ما لم يتوفر لأحد من الملوك المسلمين، فقد روى أبن خلدون : أن المحمول الى بيت المال في أيام الرشيد بلغ ( ٧٥٠٠ ) قنطاراً في كل سنة . وقدّر الجهشياري مجموع الواردات بما يقارب من خمسمائة مليون درهم ومائتين وأربعين ألف درهم ، هذا مع العلم أن الدينار في ذلك الوقت كانت له قيمة وأهمية بالغة لا تقاس بما نحن عليه اليوم ، فقد كان الكبش يباع بدرهم، والجمل بأربعة دنانير.

وبالرغم من أن الأموال في عهد هارون قد ضربت الرقم القياسي في ضخامتها ، ولكن من المؤسف أنّه لم يصرف منها شيء على صالح المسلمين، وإنّما أُنفقت على التفنن في الملذات والشهوات وتشييد القصور التي تعج بالمغنيات والفاجرات والماجنين، كما بُذلت للشعراء الذين اوقفوا نشاطهم الفكري على المدح والثناء، وعلى سبيل المثال فقد أنشده أبو العتاهية هذا الأبيات :

يابني العباس فيكم ملك شُعَب الإحسان منه تفترق

 

إنما هارون خيرٌكله مات كل الشرّ مذ يوم خُلق

وها أنت ترى حكومة الفساد الآن ، لم يمر العراق بميزانية كالميزانية التي استولت عليها هذه الحكومة ففي سنة ٢٠١٤ بلغت ( ١٥٠ ) مليار دولار، ولم يرَ الشعب منها أي خير أو منجز يعالج مشاكلهم الإجتماعية وأوضاعهم الإقتصادية، بل صُرفت كلها لملذاتهم وأطماعهم من شراء العقارات والأراضي إلى الأرصدة الخيالية في بنوك العالم ، مضافاً الى شراء الضمائر والأقلام المأجورة التي تحرّف الحقائق لصالحهم .

ثانياً : يدّعي هارون العباسي حبه وولايته لرسول الله صلى الله عليه وآله، فعندما ثقل ذكر الإمام موسى عليه السلام على هارون، وبعد أن ضاق صدره منه وأزعجه أنتشار إسم الإمام، وذيوع فضله في الآفاق وتحدث الناس عن فضله وعلمه، فقد نقل صاحب البحار : جاء الطاغية الى قبر الرسول صلى الله عليه وآله وكان حينها في المدينة فسلم على النبي وخاطبه قائلاً :

( بأبي أنت وأمي يارسول الله ، إني أعتذر اليك من أمر قد عزمت عليه إني أريد أن أخذ موسى بن جعفر عليه السلام فأحبسه لأني قد خشيت أن يلقي بين أمتك حرباً يسفك فيها دماءهم )

وفي اليوم الثاني أصدر أوامره بإلقاء القبض على الإمام، فألقت الشرطة القبض عليه وهو قائم يصلي لربه، عند رأس جدّه النبي صلى الله عليه وآله فقطعوا عليه صلاته ولم يمهلوه من إتمامها فُحُمل من ذلك المكان الشريف، وهو يوجه شكواه الى جدّه الرسول صلى الله عليه وآله قائلاً : ( إليك أشكو يارسول الله ) .

وكذلك حكومة الفساد اليوم تدّعي ظاهراً حبها وولائها للرسول ولأهل بيته الطاهرين، ولكن في حقيقة أمرها هي تفعل كل ما يبغض ولا يرضي الرسول ، فتقوم بالمضايقة على أتباع الحق، وتزج بعضاً منهم في السجون ظلماً وعدواناً، كما فعلوا مع أنصار آل الصدر الكرام وغيرهم، وها هم اليوم يعرقلون المسير الإصلاحي لراعيه ، بحيث وصل الأمر بهم الى تهديده بالقتل، وسفك دماء هذا الشعب المظلوم، اذا لم يسكت ويسحب المطالبين بإنهاء حكومة الفساد، مدّعين كما أدّعى هارون العباسي من قبل إدعاءات واهية ، بأن في هذه التحركات فتنة تؤدي الى نشوب القتال الذي تسفك الدماء البريئة فيه.

فيا عجباً لقولهم وما أشبه اليوم بالبارحة . وصدقت يارسول الله عندما تقول :

( لتتبعن سنن من قبلكم إتباع القذة بالقذة ) .

ثالثاً : هارون العباسي حبس الإمام الكاظم عليه السلام، وعمل جاهداً على أن يكتم أنفاس الإمام وعزله عن جماهيره ومحبيه، خوفاً من أن يكون له شأن يؤدي بالتالي الى سلب الخلافة منه، بعد أن تظهر وتكون الحقائق جلية في أحقية الإمام بالخلافة.

وكذلك عملت هذه الحكومة الفاسدة على إسكات الشعب وكتم أنفاسه وسجنه بمنعه عن القيام بأي حركة تكون بالضد من توجهاتهم، فهي تريد من هذا الشعب القبول بهذا الواقع الذي رسموه لهم من دون أن يكون لهم أي رأي فيه، بعد أن أستخدموهم كأداة ووسيلة للوصول الى الكرسي من خلال إنتخاباتهم المشؤومة ، وبعد أن نالوا مبتغاهم تركوهم يعانون الأمرّين ، والأدهى والأمَرُّ من ذلك يريدون منهم أن يرضوا عنهم ويسكتوا عن مفاسدهم راضين قانعين بما يقدمونه لهم من فتات ، ليكونوا سجناء في أرض العراق بلا حراك أو نَفَس يعكّر صفو أمزجتهم المتعفنة بسكر الترف والإنحطاط.

رابعاً : أمَرَ هارون العباسي السجان بأن يضيّق على الإمام عليه السلام، وأن يُقيده بثلاثين رطل من الحديد، ويقفل الباب في وجهه ، ولا يدعه يخرج إلّا للوضوء، فعانى ما عانى عليه السلام من تلك الإجراءات والأوامر المشددة .

وكذلك أوامر وقرارات هذه الحكومة الفاسدة ،كلها ضد الشعب فهي تزيده كل يوم حملاً أشد من الذي قبله، وذلك بقرارات ما أنزل الله بها من سلطان، وفي بلد من أغنى البلدان في العالم، فها هي تثقل ظهره بأحمال الضرائب الباهضة ، وفرض عليه أجور خدمات مفقودة كالكهرباء والمستشفيات والمعاملات في دوائر الدولة الأخرى ، مضافاً إلى قلّة الماء الصافي وكثرة الأمراض بسبب الإهمال ، وتضييق الطرق وغلقها بالصبات الكونكريتية . كل ذلك حماية لأنفسهم وتضييقاً على شعبهم.

خامساً : حِرص هارون العباسي الشديد على الملك فقد كان متفانياً في حب سلطانه، فهو يضحي في سبيله بأقدس المقدسات والقيم، وقد عَبّرَ عن حِرصه على الملك بكلمته السوداء التي حفظها له التأريخ وتناقلتها الأجيال حيث قال :

( لو نازعني رسول الله صلى الله عليه وآله لأخذت الذي فيه عيناه ).

وكذلك هذه الحكومة الفاسدة لا تتوانى في التعرض وقتل أي مصلح، مهما كان عنوانه حتى ولو ظهر الإمام المهدي عليه السلام، فانهم سيقولون له إرجع فإنك لست الإمام المهدي وأصمت وإلّا قطعنا عنقك، ونحن أحق بالملك منك. وها هي الأيام تتكرر ، وما أصدق قول شهيدنا الخالد محمد باقر الصدر قدس سره الذي يتخذه أزلام السلطة كقائداً واباً روحياً لهم من أجل الترويج لإنتخاباتهم فقط لا غير، فها هو يقول مخاطباً إيّاهم: ( دنيا هارون الرشيد كانت عظيمة، نقيس أنفسنا بهارون الرشيد، نَسِبّه ليلاً نهاراً، لأنّه غرق في حب الدنيا، لكن تعلمون أي دنيا غرق فيها هارون الرشيد؟! أي قصور مرتفعة عاش فيها هارون الرشيد؟! أي بذخ وترف كان يحصل عليه هارون الرشيد؟! أي زعامة وخلافة وسلطان إمتد مع أرجاء الدنيا حصل عليه هارون الرشيد؟!.

هذه دنيا هارون الرشيد، نحن نقول بأننا افضل من هارون الرشيد ! أورع من هارون الرشيد! أتقى من هارون الرشيد! عجباً نحن عرضت علينا دنيا هارون الرشيد فرفضناها ، حتى نكون أورع من هارون الرشيد !

ياأولادي ، ياإخواني ، ياأعزائي ، ياأبناء علي هل عرضت علينا دنيا هارون ؟!

لا عرض علينا دنيا هزيلة محدودة ضئيلة ، دنيا ما أسرع ما تتفتت ، ما أسرع ما تزول ، دنيا لا يستطيع الإنسان أن يتمدد فيها ، كما كان يتمدد هارون الرشيد .

هارون الرشيد يلتفت الى السحاب يقول : أين ما تمطرين يأتيني خراجك ، في سبيل هذه الدنيا سجن موسى بن جعفر .

هل جربنا أن هذه الدنيا تأتي بيدنا ثم لا نسجن موسى بن جعفر ...) .

فها هم اليوم من كانوا يدّعون أنهم من مريدي الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره

قد جاءهم جزء بسيط من دنيا هارون .

فأصبحوا من أكمل المصاديق التي نطق بها السيد الشهيد قدس سره وحذّر من الوقوع بها، فما أن جاءتهم هذه الدنيا حتى سارعوا الى سجن هذا الشعب والتنكيل به ، فأذاقوه مر الصعاب ، ولوعوه بشتى أنواع البلاءات ، من أجل أن يسلبوا حريته ، ويكتموا على اصواته كما فعل هارون بموسى عليه السلام .

كل ذلك من أجل البقاء على كرسيهم الشيطاني .

والآن بعد أن ذكرنا نقاط التشابه والإلتقاء بين حكومة وسلطة هارون العباسي وبين حكومة الفساد الجاثمة على صدور العراقيين ، أود أن أذكر بعض ما قام به الإمام الكاظم عليه السلام في سجنه ، لكي نتأسى به ولنعمل بالقدر المستطاع ، وخصوصاً في هذه الفترة وما تحمله من إرهاصات ، حتى نتشبه بإمامنا ، ولا نتشبه بأفعال الطغاة ، وساسة السوء والرذيلة .

ولنذكر الآن بعضاً قليلاً مما قام به الكاظم عليه السلام لكي نرى ما هو فعلنا تجاهه :

أولاً : تفرغ الإمام عليه السلام للعبادة .

فقد أقبل الإمام عليه السلام على العبادة ، وانقطع الى الله عز وجل ، وكانت عبادته محيرة للعقول ، فقد كان يصوم النهار ويقوم الليل ، يقضي اوقاته في الصلاة والسجود الطويل ، وكثرة الدعاء ، لا يسأم من طول السجن ، محولاً ذلك البلاء العظيم الى نعمة يشكر الله تعالى عليها ، فهو الذي قال بعد سجنه : ( اللهم إنك تعلم إني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك ، اللهم وقد فعلت ، فلك الحمد ) .

فعلينا الآن حسب هذه النقطة أن نفعل ما يلي :

ا ـ إعطاء مجالاً أوسع للعبادة ، والتوجه لها بإخلاص ونية صادقة ، وذلك بالإلتزام بأوقات الصلاة الواجبة ، والإكثار من الصلوات المستحبة وعدم ترك صلاة الليل ، مضافاً إلى الصوم في هذه الايام المباركة التي تصادف في شهر رجب وشعبان ، وكثرة الدعاء ، وخصوصاً أدعية الفرج ، والتضرع إلى الله عزّ وجلّ بدموع جارية وحسرات على ما مضى.

ب ـ أن نصبر على ما يمسنا من بلاء ، وما يصيبنا من جهد وعناء الآن ، بل علينا أن نشكر الله عزّ وجلّ الذي هيأ لنا في سوح الإعتصام والتظاهر والإلتزام بأوامر السيد القائد مقتدى الصدر سبل الطاعة العالية التي لم نكن نطمح بالتعرض لهل فيما سبق. وأن نبين ونظهر رضانا بقضاء الله وقدره ، وأن نؤمن بأن ما يصيبنا الآن هو خير لنا على كل حال .

ثانياً : إتصال العلماء بالإمام عليه السلام .

فقد إتصل جماعة من العلماء به عن طريق خفي فانتهلوا من نمير علومه ، ومن هؤلاء موسى بن إبراهيم المروزي ، وقد سمح له السندي بذلك لأنه كان معلماً لولده ، وقد ألّف كتاباً مما سمعه من الإمام ، وهذا ما ذكره الكشي في رجاله .

وكذلك إرسال الفتاوى إليه للإجابة عن مسائلهم ، ونصّب الوكلاء بالرغم من وجوده في السجن .

والآن حسب هذه النقطة علينا أن نفعل ما يلي :

ا ـ الإهتمام بالعلم ونشره ، والسعي الجاد لأن نتعلم ولا نبقى في جهلنا أو غافلين عما يحيط بنا ، وعلينا اكتساب العلوم الدينية وعلوم الدنيا على حد سواء ، لأن الحياة لا تسير إلا بكليهما .

ب ـ عدم الإنغلاق في اماكن معينة للتعلم وبث العلوم فيها ، وإنّما الانتشار بأقصى حد ممكن إلى المناطق والمحافظات الأخرى التي تكون نسب التعلم فيها أقل من غيرها .

ثالثاً : تقوى وورع الإمام في السجن .

جاء في كتاب حياة موسى بن جعفر للقرشي نقلاً عن كتاب المناقب :

(وأنفذ هارون إلى الإمام عليه السلام جارية وضّاءة بارعة الجمال والحسن ، أرسلها بيد أحد خواصه لتتولى خدمة الإمام ، ظاناً أنه سيفتن بها ، فلما وصلت إليه قال عليه السلام لمبعوث هارون : ( قل لهارون : بل أنتم بهديتكم تفرحون ، لا حاجة لي في هذه ولا في امثالها ) .

فرجع الرسول ومعه الجارية وأبلغ هارون قول الإمام فألتاع غضباً وقال :

( إرجع إليه ، وقل له : ليس برضاك حبسناك ولا برضاك أخدمناك وأترك الجارية عنده ، وأنصرف ) .

فرجع ذلك الشخص وترك الجارية عند الإمام وأبلغه بمقالته ، وأنفذ هارون خادماً له إلى السجن ليتفحص عن حال الجارية ، فلما انتهى إليها ، رآها ساجدة لربها لا ترفع رأسها وهي تقول في سجودها ( قدوس قدوس ) فمضى الخادم مسرعاً فأخبره بحالها فقال هارون : ( سحرها والله موسى بن جعفر عليّ بها !!) .

فجيء بها إليه ، وهي ترتعد قد شخصت ببصرها نحو السماء ، وهي تذكر الله وتمجده ، فقال لها هارون : شأنك ؟

ـ شأني الشأن البديع ، إني كنت عنده واقفة ، وهو قائم يصلي ليله ونهاره ، فلما انصرف من صلاته قلت له : هل لك حاجة أعطيكها ؟

ـ فقال الإمام : وما حاجتي إليك ؟

ـ قلت : إني أدخلت عليك لحوائجك .

ـ قال الإمام عليه السلام : ( فما بال هؤلاء ـ وأشار بيده إلى جهة ـ فألتفت ، فاذا روضة مزدهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري ، ولا أولها من آخرها ، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج ، وعليها وصائف ووصايف لم أر مثل وجوههم حسناً ، ولا مثل لباسهم لباساً ، عليهم الحرير الأخضر والأكاليل والدر والياقوت ، وفي أيديهم الأباريق والمناديل ، ومن كل الطعام فخررت ساجدة حتى أقامني هذا الخادم فرأيت نفسي حيث كنت ، فقال لها هارون ، وقد أترعت نفسه بالحقد : يا خبيثة لعلك سجدت ، فنمت فرأيت هذا في منامك .

ـ لا والله يا سيدي ، رأيت هذا قبل سجودي ، فسجدت من أجل ذلك .

فالتفت الرشيد إلى خادمه ، وأمره بإعتقال الجارية ، وأخفاء الحادث لئلا يسمعه أحد من الناس فأخذها الخادم ، واعتقلها عنده ، فأقبلت على العبادة والصلاة ، فإذا سئلت عن ذلك قالت : هكذا رأيت العبد الصالح ) .

والآن حسب هذه الرواية علينا أن نقوم بما يلي :

ا ـ أن نتصف بالورع والتقوى ، بحيث نبقى متمسكين بجادة الحق ، وأن لا يخرجنا عنها أمر مهما كان نوعه ، وشدّة تأثيره ، وأن لا ننبهر أو ننكسر أمام أي إغراء ، سواء كان بالمال أم بالنساء أم بالمنصب أو غير هذه الاشياء من طرق الشيطان المتنوعة.

ب – أن يكون أنسنا ولذاتنا في الاشياء التي فيها لله رضا ولنفسنا العزّة في الدنيا والأخرة ، وان يكون شعورنا بالطاعة هو المهيمن علينا بحيث نكون في غفلة عما سواه وهذا هو الذي يجعلنا صامدين أمام أي متغير جديد يخالف ما خطه وحي الشريعة لنا .

ج – أن نكون دعاة وهادين للاخرين بالقول والفعل معاً، وأن نجذبهم الى حضيرة الرحمن ، عندما يرون منا الإلتزام المتفاني بالشريعة وأوامرها ، وأن نتخلق بأخلاق المعصومين عليهم السلام التي تكون خير درع لإبعاد كل المحاولات الخبيثة التي تريد إضلالنا وإيقاعنا في شباك الشيطان والعياذ بالله .

هذه بعض من صفات وأفعال الإمام الكاظم عليه السلام، وهو في ظلمات السجون وقيد الحديد، لو تمسكنا بها لأصبح الفرج قريب منّا إن شاء الله تعالى ، فعلينا أن نسعى لها بكل طاقاتنا، ولا نؤجل عمل اليوم ونياتنا الى الغد ، بل علينا ان نستعمل حياتنا وصحتنا الحاضرة الآن بين أيدينا ، فإننا لا نستطيع أن نضمن ما هو كائن في الغد، ونستغل فرص الطاعة الآن لأن أبواب السماء بالإعتصامات والتظاهر مُفَتّحة ، فلا تجعلوها تمر علينا مر السحاب، ولن يبقى بعدها إلّا الندم والخسران.

وأخيراً بعد أن ذكرنا نقاط التشابه بين أهل الشر والفساد، وأفعال الخير والهداية للإمام عليه السلام وهو في سجنه، وما علينا فعله والقيام به تجاهها ، أود أن أعرج على أمر أخر مهم غاية الأهمية ، ألا وهو :

أنه بالرغم من نقاط التشابه التي ذكرناها بين سلطان الشر الهاروني وأذناب الإحتلال ، إلّا انه يوجد هناك أمرٌ مباين بينهما ، ولا يمكن ان يتكرر ، أريد أن ألفت عناية القارئ الكريم له، عسى ان يخفف عنه بعض الشيء في قادم الأيام ، وهو أن هارون ألقى بجسد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام على جسر الرصافة وبقى ثلاثة أيام مطروحاً ، وهو ميت ينظر إليه القريب والبعيد ، تتفرج عليه المارة مكشوف الوجه للناس ، قاصدين بذلك انتهاك حرمته وسلب كرامته وهيبته ، متناسين أنّ للميت حرمة، فقد قال أحد الشعراء :

وإحترام الاموات حتمٌ وإن كان نَوى بُعداً فكيف بالغرباءِ.

وقد أراد هارون أن يذل الشيعة بفعله هذا .

والذي أريد أن أقوله إن هذا الامر لن يتكرر مع هذه الحكومة الفاسدة، فهيهات ان يكون بإستطاعتها قتل الشعب وإلقائه جسداً مطروحاً على الجسر لينادي عليه بذل الاستخفاف ، بل على العكس فإن في هذه المرة سيقوم الشعب بقتل الفساد وإلقائه جثة مطروحة على الجسر الذي عبرته الجماهير المنادية بالإصلاح، لتدوس عليه ألآف بل ملايين الأقدام ، حتى لا يبقى له عين أو أثر ، فهكذا هو الخط البياني في مسيرة التأريخ، وعمر البشرية الطويل، فالآن حان وقت الحساب، ولنكن في الإنتظار .

والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وعجل فرجهم والعن عدوهم

 

علي الزيدي

٢٤ رجب ١٤٣٧

٢ أيار ٢٠١٦

 

التقييم التقييم:
  ٢ / ٤.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: * إعادة التحميل
 مكتبة آل الصدر
 

 تطبيق جامع الأئمة ع

 التسجيل الصوتي لخطب الجمعة
 التسجيل الصوتي لخطب الجمعة
 أخترنا لكم من الكتب:
نستقبل طلباتكم واستفساراتكم